أبي الفرج الأصفهاني
364
الأغاني
الأبيات ؛ فإن لها شأنا ! فلم يردّ عليّ شيئا . فرجعت إلى رحلي فركبت وسرت وأنا ذاهبة العقل ؛ وفي كل ذلك لا يخبرني صواحباتي أنهنّ سمعن شيئا . فلما كانت الليلة القابلة نزلنا وأخذ الحيّ مضاجعهم ونامت كلّ عين ، فإذا الهاتف يهتف بي ويقول : يا بثينة ، أقبلي إليّ أنبئك عمّا تريدين . فأقبلت نحو الصوت ، فإذا شيخ كأنه من رجال الحيّ ، فسألته عن اسمه وبيته . فقال : دعي هذا وخذي فيما هو أهمّ عليك [ 1 ] . فقلت له : وإن هذا لممّا يهمّني . قال : اقنعي بما قلت لك . قلت له : أنت المنشد الأبيات ؟ قال نعم . قلت : فما خبر جميل ؟ قال : نعم فارقته وقد قضى نحبه وصار إلى حفرته رحمة اللَّه عليه . فصرخت صرخة آذنت [ 2 ] منها الحيّ ، وسقطت لوجهي فأغمي عليّ ، فكأنّ صوتي لم يسمعه أحد ، وبقيت سائر ليلتي ، ثم أفقت عند طلوع الفجر وأهلي يطلبونني فلا يقفون على موضعي ، ورفعت صوتي بالعويل والبكاء ورجعت إلى مكاني . فقال لي أهلي : ما خبرك وما شأنك ؟ فقصصت عليهم القصّة . فقالوا : يرحم اللَّه جميلا . واجتمع نساء الحيّ وأنشدتهنّ الأبيات فأسعدنني بالبكاء ، فأقمن [ 3 ] كذلك لا يفارقنني ثلاثا ، وتحزّن الرجال أيضا وبكوا ورثوه وقالوا كلَّهم : يرحمه اللَّه ، فإنه كان عفيفا صدوقا ! فلم أكتحل بعده بإثمد ولا فرقت رأسي بمخيط [ 4 ] ولا مشط ولا دهنته إلا من صداع خفت على / بصري منه ولا لبست خمارا مصبوغا ولا إزارا ولا أزال أبكيه إلى الممات . قالت جميلة : فأنشدتني الشعر كلَّه وهذا الغناء بعضه ، وهو : ألا من لقلب لا يملّ فيذهل أفق فالتعزّي عن بثينة أجمل مدحها ابن سريج فردت عليه مدحه ثم غنت وغنى هو ومعبد ومالك بشعر حاتم الطائي : قال ابن سلَّام حدّثني جرير قال : زار ابن سريج جميلة ليسمع منها ويأخذ عنها . فلما قدم عليها أنزلته وأكرمته وسألته عن أخبار مكة فأخبرها . وبلغ معبدا الخبر [ 5 ] . [ وكانت تطارحه وتسأله عن أخبار مكة فيخبرها ] . وكانت عندها جارية محسنة لبقة ظريفة ، فابتدأت تطارحها . فقال ابن سريج : سبحان اللَّه ! نحن كنّا أحقّ بالابتداء . قالت جميلة : كلّ إنسان في بيته أمير وليس للداخل أن يتأمّر عليه . فقال ابن سريج : صدقت جعلت فداءك ! وما أدري أيّهما أحسن أدبك أم غناؤك ! . فقالت له : كفّ يا عبيد ، فإنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « احثوا في وجوه المدّاحين التراب » [ 6 ] . فسكت ابن سريج . وطارحت الجارية بشعر حاتم الطائي : أتعرف آثار الديار توهّما [ 7 ] كخطَّك في رقّ كتابا منمنما
--> [ 1 ] يريد : فيما هو أجدى عليك . [ 2 ] في ب ، س : « آذيت » وهو تصحيف . [ 3 ] كذا في أ ، م . وفي سائر الأصول : « فلم نزل كذلك إلخ » . [ 4 ] لعله : « بخيط » . [ 5 ] هذه الجملة المحصورة بين قوسين وردت في ب ، س ، ح . وفي سائر الأصول : « وبلغ معبدا الخبر فوجد عندها جارية إلخ » . [ 6 ] المراد بالمداحين هنا الذين عادتهم مدح الناس لغرض من الأغراض كتحصيل المال أو الجاه ، وأما المدح على الفعل الحسن للتحريض على عمل الخير فليس منه . وحثو التراب في وجوههم ، يراد به تجنبهم وترك التحفي بهم . [ 7 ] رواية هذا الشطر في « ديوانه » : أتعرف أطلالا ونؤيا مهدّما .